ابن كثير

200

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

سورة الزخرف وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 1 إلى 8 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ( 1 ) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ ( 5 ) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ( 6 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 7 ) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) يقول تعالى : حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ أي البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ ، لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس ، ولهذا قال تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ أي نزلناه قُرْآناً عَرَبِيًّا أي بلغة العرب فصيحا واضحا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي تفهمونه وتتدبرونه ، كما قال عز وجل : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء : 195 ] . وقوله تعالى : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ بين شرفه في الملأ الأعلى ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض ، فقال تعالى : وَإِنَّهُ أي القرآن فِي أُمِّ الْكِتابِ أي اللوح المحفوظ ، قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما ومجاهد لَدَيْنا أي عندنا ، قاله قتادة وغيره لَعَلِيٌّ أي ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل قاله قتادة حَكِيمٌ أي محكم بريء من اللبس والزيغ . وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله ، كما قال تبارك وتعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الواقعة : 77 - 80 ] وقال تعالى : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرامٍ بَرَرَةٍ [ عبس : 11 - 16 ] ولهذا استنبط العلماء رضي اللّه عنهم من هاتين الآيتين أن المحدث لا يمس المصحف كما ورد به الحديث إن صح ، لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى ، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى ، لأنه نزل عليهم ، وخطابه متوجه إليهم ، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم ، والانقياد له بالقبول والتسليم ، لقوله تعالى : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ . وقوله عز وجل : أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ اختلف المفسرون في معناها فقيل معناها أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به ، قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما وأبو صالح ومجاهد والسدي واختاره ابن جرير « 1 » ، وقال

--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 167 .